ابن ميثم البحراني
108
شرح نهج البلاغة
إحدى عشرة نخلة غرسها رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله بيده فكانت بنو فاطمة يهدون ثمرها إلى الحاجّ فيصلونهم عن ذلك بمال جليل فبعث البازيار رجلا فصرمها وعاد إلى البصرة ففلج ، وفي هذه القصّة خبط كثير بين الشيعة ومخالفيهم ، ولكلّ من الفريقين كلام طويل . ولنرجع إلى المتن . فنقول : أشار بالنفوس الَّتي شحّت بها إلى أبي بكر وعمر وأتباعهما ، وبالنفوس الَّتي سمحت بها إلى وجوه بني هاشم ومن مال ميلهم . التاسع : استفهم عمّا يصنع بفدك وغيرها من القينات الدنيويّة استفهام إنكار لوجه حاجته إليها تسلية لنفسه عنها وجذبا له عن الدنيا إلى الأعمال الصالحة بذكر غاية النفوس منها ، وهي صيرورتها إلى الجدث ، ولوازم تلك الغاية من انقطاع الآثار وغيبة الأخبار فيها وساير ما عدّده من صفات الجدث ، وإنّما عدّد هذه الأمور لأنّ الأوهام تنفر عنها وتخشع القلوب لذكرها . فتفزع إلى اللَّه تعالى ويجذب إلى الأعمال الصالحة الَّتي بها الخلاص من أهوال الموت وما بعده . والواو في قوله : والنفس . للحال . العاشر : لمّا نبّه على أنّ فدك وغيرها من قينات الدنيا لا حاجة إليها أشار إلى حصر حاجته وغايته لنفسه وهى رياضتها بالتقوى ، والضمير كهو في قوله فيما سبق : وإنّما هي الكوفة . والتقدير : وإنّما همّتي وحاجتي رياضة نفسي بالتقوى . واعلم أنّ رياضة النفس تعود إلى نهيها عن هواها وأمرها بطاعة مولاها وهى مأخوذة من رياضة البهيمة وهى منعها عن الإقدام على حركات غير صالحة لصاحبها ولا موافقة لمراده ، وتمرينها على ما يوافق مراده من الحركات ، والقوّة الحيوانيّة الَّتي هي مبدأ الإدراكات والأفاعيل الحيوانيّة في الإنسان إذا لم يكن لها طاعة القوّة العاقلة ملكة كانت بمنزلة بهيمة لم ترض فهي تتبع الشهوة تارة والغضب أخرى ، وغالب أحوالها أن تخرج في حركاتها عن العدل إلى أحد طرفي الإفراط والتفريط بحسب الدواعي المختلفة المتخيّلة والمتوهّمة ويستخدم القوّة العاقلة في تحصيل مراداتها فتكون هي أمّارة والعاقلة مؤتمرة لها . أمّا إذا راضتها القوّة العاقلة ومنعتها عن